محمد جمال الدين القاسمي
180
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الإنكار باللسان أو بالعقوبة - كما قاله الراغب - لأنه لا يعاقب إلّا على المنكر فيكون على حد قوله : ونشتم بالأفعال لا بالتكلم فلذا حسن ( انتقم منه ) مطاوعه ، بمعنى عاقبه وجازاه ، وإلّا فكيف يخالف المطاوع أصله ؟ فافهم . و ( نقم ) ورد كعلم يعلم وضرب يضرب ، وهي الفصحى ، ويعدّى ب ( من ) و ( على ) . وقال أبو حيّان : أصله أن يتعدى ب ( على ) . ثم ( افتعل ) المبنيّ منه ، يعدى ب ( من ) لتضمنه معنى الإصابة بالمكروه ، وهنا ( فعل ) بمعنى ( افتعل ) . كذا في ( العناية ) . الثانية : في الآية تسجيل على أهل الكتاب بكمال المكابرة والتعكيس ، حيث جعلوا الإيمان بما ذكر ، موجبا لنقمه ، مع كونه في نفسه موجبا لقبوله وارتضائه . فمعنى الآية : ليس شيء ينقم من المؤمنين . فلا موجب للاستهزاء . وهذا مما تقصد العرب في مثله ، تأكيد النفي والمبالغة فيه بإثبات شيء ، وذلك الشيء لا يقتضي إثباته ، فهو منتف أبدا . ويسمى مثل ذلك عند علماء البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس ، فمن الأول نحو : ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم * بهنّ فلول من قراع الكتائب ومن الثاني هذه الآية وشبهها . أي : ما ينبغي لهم أن ينقموا شيئا إلّا هذا ، وهذا لا يوجب لهم أن ينقموا شيئا ، فليس شيء ينقمونه ، فينبغي أن يؤمنوا به ولا يكفروا . وفيه أيضا التعريض بكفرهم ، وتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان . الثالث : إسناد الفسق إلى أكثرهم ، لأن من قال منهم ما قال ، وحمل غيره على العناد ، طلبا للرياسة والجاه وأخذ الرشوة ، إنما هو أكثرهم ، ولئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 60 ] قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 60 ) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ المخاطب بكاف الجمع أهل الكتاب المتقدم ذكرهم ، أو الكفار مطلقا ، أو المؤمنون . والمشار إليه الأكثر الفاسقون . وتوحيد اسم